وقيل: سأله فرعون عن الماهية جاهلاً عن حقيقة سؤاله ، فلما أجاب موسى بحقيقة الجواب وقع عنده أن موسى حاد عن الجواب حيث سأله عن الماهية وهو يجيب عن ربوبيته وآثار صنعه فقال معجباً لهم من جواب موسى: ألا تستمعون؟ فعاد موسى إلى مثل قوله الأول فجننه فرعون زاعماً أنه حائد عن الجواب ، فعاد ثالثاً إلى مثل كلامه الأول مبيناً أن الفرد الحقيقي إنما يعرف بالصفات وأن السؤال عن الماهية محال وإليه الإشارة في قوله تعالى {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إن كان لكم عقل علمكم أنه لا تمكن معرفته إلا بهذا الطريق ، فلما تجير فرعون ولم يتهيأ له أن يدفع ظهور آثار صنعه.
{قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى} أي غيري إلهاً {لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين} أي لأجعلنك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني ، وكان من عادته أن يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في هوة ذاهبة في الأرض بعيدة العمق فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع ، فكان ذلك أشد من القتل.
ولو قيل لأسجننك لم يؤد هذا المعنى وإن كان أخصر {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ} الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أي أتفعل بي ذلك ولو جئتك {بِشَئ مُّبِينٍ} أي جائياً بالمعجزة {قَالَ فَأْتِ بِهِ} بالذي يبين صدقك {إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} أن لك بينة وجواب الشرط مقدر أي فأحضره {فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} ظاهر الثعبانية لا شيء يشبه الثعبان كما تكون الأشياء المزورة بالشعوذة والسحر.
روي أن العصا ارتفعت في السماء قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون وجعلت تقول: يا موسى مرني بما شئت.
ويقول فرعون: أسألك بالذي أرسلك إلا أخذتها ، فأخذها فعادت عصا.
{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين} فيه دليل على أن بياضها كان شيئاً يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة وكان بياضها نورياً.