قال أبو علي: الذي ذهب إليه الفراء هو أن الحركة في (الواو) ليست لالتقاء الساكنين كما يذهب إليه سيبويه وأصحابه. ولا يستقيم ما ذهب إليه؛ لأنا رأينا الحركات إنما تلقى على الحروف التي تكون قبل الحرف الذي ينقل منه، ولا ينقل إلى ما بعد الحروف المنقولة منها الحركة، كما تقول في: (بِعت) ، و (قُلت) ، و (خِفت) ، و (مِست) ، و (ظِلْت) ، و (أَحَسْت) ، و (أَصَمّ) ، و (أَعَدّ) ، و (أَخِلَة) . وكذلك نقل
حركات الهمز في التخفيف نحو: (جَيَل) و (المرَة) . وكذلك قولهم: (قَاضُون) ، و (غَازُون) ، و (مُشْتَرُون) ، ونحو ذلك، فإذا كان الأمر على ما وصفنا، ولم نجد في هذه الأصول شيئا على ما ادعاه، ثبت فساد ما ذهب إليه لدفع الأصول ذلك، وقوله يوجب أن ضمة الياء في (اشتريوا) نقل إلى الواو بعد الياء، وإنما ينقل حيث ينقل إلى ما قبل المنقول منه لا إلى ما بعده كما بينا. وأيضا فإنه لو كان كما ذكر، لوجب أن يتحرك الحرف الذي نقلت إليه، التقى مع الساكن أو لم يلتق، ألا ترى أن سائر ما نقلت إليه الحركة مما ذكرنا، يتحرك بالحركة
المنقولة إليه، فلما لم تتحرك الواو في {اشْتَرَوُا} إلا عند التقاء ساكن، ثبت أن حركتها حركة الحروف الساكنة الملتقية مع سواكن أخر.
قال أبو أسحاق: من أبدل واو {اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} همزة، غالط؛ لأن الواو المضمومة إنما تبدل همزة إذا لزمت ضمتها، نحو: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11] وكذلك: (أَدْؤُرٌ) فيمن همزها، والضمة هاهنا إنما هي لالتقاء الساكنين فلا يلزم.
وقوله تعالى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} . (الربح) الزيادة على أصل المال. و (التجارة) تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء. يقال: تَجَرَ الرجل يَتْجُر تِجَارَة فهو تَاجِر.
قال الشاعر:
قَدْ تَجَرَتْ في سُوقِنَا عَقْرَبٌ ... لا مَرْحَبًا بالعَقْرَبِ التَّاجِرَه
ومعنى قوله {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} أي ما ربحوا في تجارتهم، وأضاف الربح إلى التجارة، لأن الربح يكون فيها، وهذا كلام العرب يقولون: ربح بيعك وخسر بيعك، ونام ليلك، وخاب سعيك، قال الله تعالى {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} [سبأ: 33] أي مكرهم فيهما. وقال: {فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ} [محمد: 21] وإنما العزيمة للرجال في الأمر.
وقال جرير:
وأعْوَر مِنْ نَبْهَان أمَّا نَهاره ... فَأعْمَى وأمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ