ثم إن الافتتاح بلفظة (الله) مع أن ذهن السامع كان منتظراً لتلقي مقابلة المؤمنين معهم، إشارة إلى تشريف المؤمنين وترحمه عليهم، إذ قد قابل بدلا عنهم .. وأيضاً رمز إلى زجرهم؛ إذ لايُستهزأ بمن استناده بعلاّم الغيوب .. وأيضاً إيماء بالاقتطاع وعدم النظر إلى تقرر استهزائهم إلى أن استهزاءهم كالعدم بالنظر إلى جزائه .. ثم أن التعبير عن نكايات الله تعالى معهم بالاستهزاء - الذي لايليق بشأنه تعالى - للمشاكلة فِي الصحبة، وللرمز إلى أن النكاية جزاء للاستهزاء ونتيجة ولازمة له، مع أن المراد لازم الاستهزاء، أعني التحقير .. وأيضاً إيماء إلى أن استهزاءهم الذي لا يفيد بل يضر عين استهزاء الله تعالى معهم؛ كمن يظن انه يستهزئ بك مع انك تراه كالمجنون تريد أن يتكلم ولو بشتمك لتضحك منه، فاستهزاؤه بعض استهزائك.
ثم فِي (يستهزئ) مضارعا مع أن السابق (مستهزؤن) اسم فاعل إشارة إلى أن نكايات الله تعالى وتحقيراته تتجدد عليهم ليحسوا بالألم ويتأثروا به؛ إذ ما استمر على نسق يقلّ تأثيره بل قد يعدم. ولذا قيل شرط الاحساس الاختلاف.
أما (ويمدهم فِي طغيانهم يعمهون) أي توسلوا بأسباب الضلالة وطلبوها فأعطاهم الله تعالى .. ففي لفظ"يمد"رمز إلى رد الإعتزال، وفي تضمّن"يمد"للاستمداد إيماء إلى ردّ الجبر، أي اختاروا بسوء اختيارهم واستمدوا، فأمدّهم الله تعالى وأرخى عنانهم .. وفي إضافة الطغيان إلى"هم"أي أن لهم فيه اختياراً رمز إلى رد عذرهم بالمجبورية .. وفي الطغيان إشارة إلى أن ضررهم متعد استغرق المحاسن كالسيل وهدم أساس الكمالات فلم يبق إلا غثاء أحوى. و (يعمهون) أي: يتحيرون ويترددون. وفيه إشارة إلى انه لامسلك لهم وليس لهم مقصود معين. انتهى انتهى. {إشارات الإعجاز صـ 106 - 110}