ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ مِنَ الْبَيْتِ، أَهُمَا أَحْدَثَا ذَلِكَ، أَمْ هِيَ قَوَاعِدُ كَانَتْ لَهُ قَبْلَهُمَا؟
فَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ بَنَاهُ آدَمُ أَبُو الْبَشَرِ بِأَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ دُرِسَ مَكَانُهُ وَتَعَفَّى أَثَرُهُ بَعْدَهُ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَبَنَاهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ قَوَاعِدُ بَيْتٍ كَانَ اللَّهُ أَهْبَطَهُ لِآدَمَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، يَطُوفُ بِهِ كَمَا كَانَ يَطُوفُ بِعَرْشِهِ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَيَّامَ الطُّوفَانِ، فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ قَوَاعِدَ ذَلِكَ الْبَيْتِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ رَبْوَةً حَمْرَاءَ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ الْأَرْضِ عَلَا الْمَاءَ زَبْدَةٌ حَمْرَاءُ أَوْ بَيْضَاءُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتَّى بَوَّأَهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، فَبَنَاهُ عَلَى أَسَاسِهِ. وَقَالُوا: عَلَى أَرْكَانِ أَرْبَعَةٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ وَابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوَاعِدَ بَيْتٍ كَانَ أَهْبَطَهُ مَعَ آدَمَ، فَجَعَلَهُ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ الْقُبَّةَ الَّتِي ذَكَرَهَا عَطَاءٌ مِمَّا أَنْشَأَهُ اللَّهُ مِنْ زَبَدِ الْمَاءِ.