ولا سره بوعيدهم الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيده - صلى الله عليه وسلم - وهو سبحانه يسأل في تأخيره لهم ، زاد في البشارة بقوله: {قليلاً} أي من الزمان والإمهال إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله ، وكان بين نزول هذه الآية وبين وقعة بدر يسير - قاله المحب الطبري ، وفيه بشارة له - صلى الله عليه وسلم - بالبقاء بعد أخذهم كما كان ، وأنه ليس محتاجاً في أمرهم إلى غير وكلهم سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله - صلى الله عليه وسلم - وتفريغ ظاهره وباطنه لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال على الله سبحانه ، ففي الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه ، فكان ذلك كالمانع من أخذ الله له ، فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع - .
ولما كان هذا منادياً بعذابهم ، وكان وصفهم بالنعمة مفهماً لأنهم معتادون بالمآكل الطيبة ، وكان منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية النفس بحد نكاية البدن إلاّ بعد تقدم إهانة ، استأنف قوله بياناً لنوع ما أفهمه التهديد من مطلق العذاب ، وأكد لأجل تكذيبهم: {إن} وأشار إلى شدة غرابته وجلالته وعظمته وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله: {لدينا} دون عندنا ولما كان أشد ما على الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات ، قال ذاكراً ما يضاد ما هم فيه من النعمة والعز: {أنكالاً} جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا يفك أبداً إهانة لهم لا خوفاً من فرارهم ، جزاء على تقييدهم أنفسهم بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء الأهوية.
ولما كان ذلك - محرقاً للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال: {وجحيماً} أي ناراً حامية جداً شديدة الاتقاد بما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب ، والتنعم برقيق اللباس والثياب ، وتكلف أنواع الراحة.