44 -والفاء في قوله: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} فاء الفصيحة؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت حالهم في الدنيا والآخرة، وأردت بيان ما هو اللازم لك فأقول لك: ذرني ومن يكذب .. إلخ. و {مَنْ} الموصولة في محل النصب على أنه معطوف على ضمير المتكلم أو على أنّه مفعول معه، وهو مرجوح لإمكان العطف من غير ضعف؛ أي: إذا كان حالهم في الآخرة كذلك فذرني؛ أي: دعني واتركني ومن يكذب بالقرآن وخلّ بيني وبينه، ولا تشغل قلبك بشأنه، وتوكل عليّ في الانتقام منه، فإنّي عالم بما يستحقه من العذاب، ويطيق له وكافيك أمره. يقال: ذرني وإيّاه يريدون كله إلى فإني أكفيك. قال في"فتح الرحمن": وعيد ولم يكن ثمّة مانع ولكنه كما تقول: دعني مع فلان؛ أي: سأعاقبه. والمراد بالحديث هنا القرآن؛ لأنَّ كلَّ كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث.
والمعنى: كِلْ أيها الرسول أمر هؤلاء المكذّبين بالقرآن إليَّ ولا تشغل قلبك بشأنهم، فأنا أكفيك أمرهم، وهذا كما يقول القائل لمن يتوعد رجلًا: دعني وإياه وخلّني واياه، وأنا أعلم بمساءته والانتقام منه، وفي هذا تسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وتهديد للمشركين، كما لا يخفى. والخلاصة: حسبك انتقامًا منهم أن تأكل أمرهم إليّ، وتخليَ بيني وبينهم.