ثم بين كيف يكون ذلك التعذيب المستفاد إجمالًا من الكلام السابق، فقال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} ؛ أي: سنتنزلهم إلى العذاب درجة فدرجة بالإحسان وإدامة الصحة وازدياد النعمة حتى نوقعهم فيه. فاستدراج الشخص إلى العذاب عبارة عن هذا الاستنزال والاستدناء، يقال: استدرجه إلى كذا إذا استنزله إليه درجة درجة حتى يورطه فيه. {مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} ؛ أي: من الجهة التي لا يشعرون أنّه استدراج، وهو الإنعام عليهم؛ لأنّهم يحسبونه إيثارًا لهم وتفضيلًا على المؤمنين، وهو سبب لهلاكهم في العاقبة. وهذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} والضمير عائد إلى {مَنْ} باعتبار معناها، والمعنى: سنأخذهم بالعذاب على غفلة، ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه من حيث لا يعلمون أن ذلك استدراج؛ لأنّهم يظنونه إنعامًا ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم، وينسيهم الشكر. وقال الحسن: كم من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه،
وكم من مغرور بالستر عليه. والاستدراج: ترك المعاجلة، وأصله: النقل من حال إلى حال.