والتهديد بعذاب الآخرة وحرب الدنيا يجيء - كما نرى - في خلال ذلك الجدل , وهذا التحدي . فيرفع من حرارة الجدل , ويزيد من ضغط التحدي .
والسؤال الاستنكاري الأول: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ?) يعود إلى عاقبة هؤلاء وهؤلاء التي عرضها في الآيات السابقة . وهو سؤال ليس له إلا جواب واحد . . لا . لا يكون . فالمسلمون المذعنون المستسلمون لربهم , لا يكونون أبدا كالمجرمين الذين يأتون الجريمة عن لجاج يسمهم بهذا الوصف الذميم ! وما يجوز في عقل ولا في عدل أن يتساوى المسلمون والمجرمون في جزاء ولا مصير .
ومن ثم يجيء السؤال الاستنكاري الآخر: مالكم ? كيف تحكمون ? . . ماذا بكم ? وعلام تبنون أحكامكم ? وكيف تزنون القيم والأقدار حتى يستوي في ميزانكم وحكمكم من يسلمون ومن يجرمون ?!
ومن الاستنكار والإنكار عليهم ينتقل إلى التهكم بهم والسخرية منهم: (أم لكم كتاب فيه تدرسون ? إن لكم فيه لما تخيرون ?) . . فهو التهكم والسخرية أن يسألهم إن كان لهم كتاب يدرسونه , هو الذي يستمدون منه مثل ذلك الحكم الذي لا يقبله عقل ولا عدل ; وهو الذي يقول لهم:إن المسلمين كالمجرمين ! إنه كتاب مضحك يوافق هواهم ويملق رغباتهم , فلهم فيه ما يتخيرون من الأحكام وما يشتهون ! وهو لا يرتكن إلى حق ولا إلى عدل , ولا إلى معقول أو معروف !
(أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ?) . . فإن لا يكن ذلك فهو هذا . وهو أن تكون لهم مواثيق على الله , سارية إلى يوم القيامة , مقتضاها أن لهم ما يحكمون , وما يختارون وفق ما يشتهون ! وليس من هذا شيء . فلا عهود لهم عند الله ولا مواثيق . فعلام إذن يتكلمون ?! وإلام إذن يستندون ?!
(سلهم أيهم بذلك زعيم ?) . . سلهم من منهم المتعهد بهذا ? من منهم المتعهد بأن لهم على الله ما يشاءون , وأن لهم ميثاقا عليه ساري المفعول إلى يوم القيامة أن لهم ما يحكمون ?!