وهذا الاعتبار هو الاعتبار الفذ في أخلاقية الإسلام . فهي أخلاقية لم تنبع من البيئة , ولا من اعتبارات أرضية إطلاقا ; وهي لا تستمد ولا تعتمد على اعتبار من اعتبارات العرف أو المصلحة أو الارتباطات التي كانت قائمة في الجيل . إنما تستمد من السماء وتعتمد على السماء . تستمد من هتاف السماء للأرض لكي تتطلع إلى الأفق . وتستمد من صفات الله المطلقة ليحققها البشر في حدود الطاقة , كي يحققوا إنسانيتهم العليا , وكي يصبحوا أهلا لتكريم الله لهم واستخلافهم في الأرض ; وكي يتأهلوا للحياة الرفيعة الأخرى: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) . . ومن ثم فهي غير مقيدة ولا محدودة بحدود من أي اعتبارات قائمة في الأرض ; إنما هي طليقة ترتفع إلى أقصى ما يطيقه البشر , لأنها تتطلع إلى تحقيق صفات الله الطليقة من كل حد ومن كل قيد .
ثم إنها ليست فضائل مفردة:صدق . وأمانة . وعدل . ورحمة . وبر ... . إنما هي منهج متكامل , تتعاونفيه التربية التهذيبية مع الشرائع التنظيمية ; وتقوم عليه فكرة الحياة كلها واتجاهاتها جميعا , وتنتهي في خاتمة المطاف إلى الله . لا إلى أي اعتبار آخر من اعتبارات هذه الحياة !
وقد تمثلت هذه الأخلاقيه الإسلامية بكمالها وجمالها وتوازنها واستقامتها واطرادها وثباتها في محمد (صلى الله عليه وسلم) وتمثلت في ثناء الله العظيم , وقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم) . .
الدرس الثالث:5 - 7 تهديد الكفار بفضحهم
وبعد هذا الثناء الكريم على عبده يطمئنه إلى غده مع المشركين , الذين رموه بذلك البهت اللئيم ; ويهددهم بافتضاح أمرهم وانكشاف بطلانهم وضلالهم المبين:
(فستبصر ويبصرون . بأيكم المفتون . إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) . .