الفاء في قوله: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا} ، تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا ، سبب للسلامة منه في الآخرة ، يفهم من دليل خطابه ، أعني مفهوم مخالفته أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحاً في غير هذا الموضع. فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة ، وذلك في قوله {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ويصلى سَعِيراً إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} الآية.
وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه أن إن المكسورة المشددة من حروف التعليل ، فقوله: {إِنَّهُ كَانَ في أَهْلِهِ مَسْرُوراً} [الإنشقاق: 13] علة لقوله: {فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ويصلى سَعِيراً} [الإنشقاق: 12 - 13] .
والمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف ، ويؤيد ذلك قوله بعده: {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ} [الإنشقاق: 14] لأن معناه ، ظن ألن يرجع إلى الله حياً يوم القيامة ، ولا شك أن من ظن أنه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقاً في أهله خوفاً من العذاب ، لأنه لا يؤمن بالحساب والجزاء ، وكون لن يحور ، بمعنى لن يرجع معروف في كلام العرب ، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:
أليلتنا بذي حسم أنيري... إذا أنت النقضيت فلا تحوري
فقوله: فلا تحوري ، أي فلا ترجعي.
وقول لبيد بن ربيعة العامري:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه... يجور رماداً بعد ما هو ساطع