وفي الآية دلالة إثبات الرسالة؛ فإنه أخبر - عليه الصلاة والسلام - عن أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال ومعرفة ذلك إنما هو من الكتب المتقدمة، وهم قد أحاطوا العلم بأنه لم يكن اختلف إلى أحد ممن له معرفة بتلك الكتب حتى يعلم منه؛ فدل أنه باللَّه - عز وجل - عرف أمكنة الوحي، وفضل تلك الجبال، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ(2) .
يحتمل القسم بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إذ بها يوصل إلى معرقة آيات الرسل - عليهم السلام - وإلى معرفة ما يؤتى ويتقى، وإلى أخبار السماء، ومعرفة الأحكام والحدود، وغير ذلك من أحكام من وجوه الحكمة، أقسم بها
أن العذاب واقع بهم، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن القسم يرجع إلى عدد من الكتب: كالتوراة، والإنجيل، والزبور - المعروفة التي عرف أهل الإيمان بها حقها ونزولها من السماء.
ويحتمل أنه راجع إلى خاص من الكتب، وهو القرآن بما عظم قدره عندهم؛ لما يعجز البشر عن إتيان مثله؛ على ما ذكرنا في الطور، واللَّه أعلم.
ويحتمل ما ذكره أهل التأويل: أنها الكتب التي يكتب فيها أعمال بني آدم، ولم يذكروا جهة القسم بها، ولست أعرف وجهه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ(3) .
أي: غير مطوي.
وقال أبو عبيدة: الرق: الورق.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: الرق: الكتاب.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ(4) .
يحتمل البيوت كلها جملة، وهي البيوت التي جعل اللَّه تعالى للخلق، يسكنون فيها، ويتقون بها من الحر والبرد، ويأمنون فيها، وهو ما قال اللَّه تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا...) الآية. ما عرف كل منافعها، وعظم نعمة اللَّه تعالى عليهم في ذلك؛ ليستأدي بذلك شكرا، فأقسم بما ذكر أن من لم يقم بوفاء الشكر، استوجب العذاب والعقوبة، واللَّه أعلم.