والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغوُ والإِثم بالسباب والضرب ونحوه ، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا ، ويجوز أن تكون جملة {لا لغو فيها ولا تأثيم} مستأنفة ناشئة عن جملة {يتنازعون فيها كأساً} ، ويكون ضمير {فيها} عائداً إلى {جنات} من قوله: {إن المتقين في جنات} [الطور: 17] مثل ضمير {فيها كأساً} ، فتكون في الجملة معنى التذييل لأنه إذا انتفى اللغو والتأثيم عن أن يكونا في الجنة انتفى أن يكونا في كأس شُرب أهل الجنة.
ومثل هذين الوجهين يأتي في قوله تعالى: {إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً} إلى قوله: {لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً} في سورة النبأ (31 35) .
واللغو: سِقْط الكلام والهذيان الذي يصدر عن خلل العقل.
والتأثيم: ما يؤثَّم به فاعله شَرعاً أو عادة من فعل أو قول مثل الضرب والشتم وتمزيق الثياب وما يشبه أفعال المجانين من آثار العربدة مما لا يخلو عنه الندامى غالباً ، فأهل الجنة منزهون عن ذلك كله لأنهم من عالم الحقائق والكمالات فهم حكماء علماء ، وقد تمدَّحَ أصحاب الأحلام من أهل الجاهلية بالتنزه عن مثل ذلك ، ومنهم من اتقى ما يعرض من الفلتات فحرَّم على نفسه الخمر مثل قيس بن عاصم.
وقرأ الجمهور {لا لغو فيها ولا تأثيم} برفعهما على أن (لا) مشبهَّة بـ (ليس) .
وقرأه ابن كثير وأبو عمرو بفتحهما على أن (لا) مشبهة بـ (إنَّ) وهما وجهان في نفي النكرة إذا كانت إرادة الواحد غيرَ محتمَلة ومثله قولها في حديث أم زرع:"زوجي كَلَيلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة"رُويت النكرات الأربع بالرفع وبالنصب.
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24)