نعم لم يقولوا غير ذلك لأنها مسألة واضحة وضوحَ الشمس ولم يدعها أحد لنفسه، وكيف يدعيها وقد خُلق رضيعاً لا يقدر على شيء فكيف يقول: خلقتُ نفسي، وقد طرأ على الكون كما هو فكيف يدعي أنه خلقه؟
وقوله تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] أي: كما أن في الأرض آيات كونية دالة على قدرة الله، كذلك في أنفسكم آيات، فإذا لم تصل إلى آيات الكون من حولك فانظر في نفسك التي بين جنبيك.
وقال تعالى: {أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] لأن آيات الكون من حولك إنْ بعُدَتْ عليك فإن آيات نفسك قريبة منك، وأوْلَى بالنظر والتأمل.
والآيات في النفس كثيرة, خُذْ مثلاً درجة حرارة الجسم تجدها واحدة هي 37 لمن يعيش عند القطب المتجمد، ولمَنْ يعيش عند خط الاستواء، ولا تستقيم حركة الأعضاء والجوارح إلا عند هذه الدرجة، ولو زادت لاختلَّ نظام الجسم كله واضطربت حركته.
أما في داخل الجسم فكل جهاز من أجهزته له درجة حرارة تناسبه دون أنْ يحدث استطراق حراري في الجسم الواحد كما نعلم، فإذا كانت الحرارة العامة في الجسم 37 فإن حرارة العين مثلاً تقف عند تسع درجات لا تزيد عنها، ولو زادت عن ذلك لانفقأت العين.
أما الكبد فلا يؤدي دروه في الجسم إلا عند أربعين درجة، والعجيب أن هذا التفاوت داخل جلد واحد وجسم واحد، فتبارك الله أحسن الخالقين.
كذلك لو تأملتَ الدم الذي يجري في العروق، التنفس، القلب، المخ، العظام كل شيء في جسمك فيه آية، بل آيات حين تتأملها تقول: سبحان الخالق المبدع، سبحانه مَنْ له طلاقة القدرة.
إذن: لا حجة لمَنْ لم يؤمن بعد ما رآه من الآيات في نفسه وفي الكون من حوله.
{وَفِي السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
هذا الأسلوب يُسمَّى في البلاغة أسلوبَ قصر، بتقديم الجار والمجرور على المبتدأ، فالرزق في السماء فقط لا في غيرها، الرزق يأتيك من أعلى من الله، والرزق كل ما يُنتفع به، فالمال رزق، والصحة والعافية رزق، والعقل رزق، والأمن رزق.
ومعنى أن الرزق في السماء. أي: أنه أمر وتقدير أزليّ مكتوب في اللوح المحفوظ، فإنْ أردتَ الحياة المادية التي نعيشها، فهي أيضاً مصدرها الماء النازل من السماء، لأنه قوام الحياة ومصدر القوت.
{وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22] أي في السماء أيضاً، فكل شيء مقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، كل صغير وكبيرة، وشاردة وواردة، يقول تعالى: