وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَبِيٍّ مِنَ الْأَنْصَارِ يُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِهَذَا، لَمْ يَعْمَلْ شَرًّا وَلَمْ يَدْرِ بِهِ.
قَالَ:"أَوَ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْجَنَّةَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا، وَخَلَقَهَا لَهُمْ وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ"
فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يشهد للمؤمنين مطلقاً أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا وجه الحديث الذي يشكل على كثير من الناس.
ورده الإمام أحمد وقال: لا يصح.
ومن يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟
وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
(فصل)
روي قيس عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه، ثم قرأ {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}
قال: «ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين»
وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - قال شريك: أظنه حكاه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:
«إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده؟ فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك، أو عملك. فيقول.
يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق بهم، ثم تلا ابن عباس {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ} »
إلى آخر الآية.
وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية، هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان؟
على ثلاثة أقوال. واختلافهم مبني على أن قوله:
«بإيمان» حال من الذرية التابعين أو المؤمنين المتبوعين.