وَيحك إِن الدُّنْيَا تغر وَلَا بُد لَك مِنْهَا فَخذ قدر الْحَاجة على حذر أما ترى الطَّائِر كَيفَ يختلس قوته هَذَا العصفور يألف النَّاس فَلَا يسكن دَارا لَا أهل بهَا وَهُوَ مَعَ هَذَا الْأنس شَدِيد الحذر مِمَّن جاور هَذَا الخطاف يقطع الْبَحْر لطلب الْأنس بالأنس ثمَّ يتَّخذ وَكره فِي أحصن مَكَان من الْبَيْت وَلَا يحملهُ الْأنس بهم على ترك الحذر مِنْهُم بل يُعْطي الْأنس حَقه والحزم حَقه
أما عرفت أدب الشَّرْع فِي تنَاول الْمطعم ثلث طَعَام وَثلث شراب وَثلث نفس شَره الْحِرْص يغبى بِلَا غم البلادة وَلَا يسهل شرب المسهل إِلَّا على من تأذى بحركات الاخلاط لَا يقدر على الحمية إِلَّا من تلمح الْعَافِيَة فِي الْعَاقِبَة شغل الْعقل النّظر فِي العواقب فَأَما الْهوى فإيثاره لَذَّة قَليلَة تعقب ندامة طَوِيلَة فملبس فِي قضاياه الْمُؤمن بَين حَرْب ومحراب وَكِلَاهُمَا مفتقر إِلَى جمع الْهم وَيُرِيد الْمِحْرَاب الْقيام باشراط الْوضُوء وَالدُّنْيَا فِي مقَام امْرَأَة واللمس نَاقض طَرِيق الْمُتَيَقن تفْتَقر إِلَى رواحل وابل عزائمكم كلهَا كال إِنَّمَا يصلح للْملك قلب فارغ مِمَّن سواهُ
(وقلبك خَان كل يَوْم وَلَيْلَة ... يُفَارِقهُ ركب وينزله ركب)
فِي كل يَوْم ترهن قَلْبك على ثمن شَهْوَة فيستعمله الْمُرْتَهن فقد اخلق أَنْت توقد نَار التَّوْبَة فِي الْمجْلس فِي الحلفاء فَإِذا أردْت مِنْهَا قبسا بعد خُرُوجك لم تَجِد تبْكي سَاعَة الْحُضُور على الْخِيَانَة والمسروق فِي جيبك يَا مظْهرا من الْخَيْر مَا لَيْسَ لَهُ لَا تبع مَا لَيْسَ عنْدك كم نهاك عَن نظرة وَتعلم إِنَّه بالحضره أَفلا تراقب النَّاظر برد النَّاظر
وكأنك مَا تعرف أَن الْحَاضِر حَاضر وَا عجَبا لَك تعد التَّسْبِيح بسبحة فَهَلا جعلت لعد الْمعاصِي أُخْرَى
يَا من يخْتَار الظلام على الضَّوْء الذُّبَاب أَعلَى همة مِنْك مَتى أظلم الْبَيْت خرج الذُّبَاب إِلَى الضَّوْء أما ترى الطِّفْل فِي القماط يناغي الْمِصْبَاح وَيحك خُذ بتلابيب نَفسك قبل أَن يجذبها ملك الْمَوْت وَقل أيتها النَّفس الحمقاء إِن كَانَ مُحَمَّد صَادِقا فالمسجد وَإِلَّا فالدير
(النَّاس من الْهوى على أَصْنَاف ... هَذَا نقض الْعَهْد وَهَذَا واف)
(هَيْهَات من الكدور تبغي الصافي ... لَا يصلح للحضرة قلب جَاف)