فقوة الله عز وجل لا يضاهيها قوة، قوته - عز وجل - لا يعتريها ضعف، بخلاف قوة المخلوق، فقوته تنتهي إلى ضعف، كما قال الله تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبةً يخلق ما يشاء وهو العليم القدير} أما الرب عز وجل فقوته لا يلحقها ضعف بأي وجه من الوجوه، ولما قالت عاد: من أشد منا قوة؟ قال الله؟ {أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً} وصدق الله - عز وجل - وقوله: {المتين} يعني الشديد، شديد في قوته، شديد في عقابه، شديد في كل ما تقتضي الحكمة الشدة فيه، انظر إلى قول الله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأَخر وليشهد عذابهما طآئفة من
المؤمنين. هذه شدة، والله - عز وجل - أرحم الراحمين، ومع ذلك ينهانا أن تأخذنا الرأفة، في الزانية والزاني {ولا تأخذكم بهما رأفة} ، وهذا دليل على القوة، ومن قوته - عز وجل - أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ولم يعِ بخلقهن، ومن قوته وقدرته أنه جل وعلا يبعث الناس كنفس واحدة {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة} والأمثلة على هذا كثيرة، فهو جل وعلا له القوة البالغة التي لا يمكن أن تضاهيها أي قوة.
ثم قال الله تعالى: {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون} أي: الذين ظلموا بالكفر لهم {ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم} والذنوب في الأصل هو الدلو، أو ما يستقى به، وشاهد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أريقوا على بوله ذنوباً من ماء» والمعنى: هؤلاء الظالمون لهم نصيب مثل نصيب من سبقهم {فإن للذين ظلموا ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم} أي نصيباً من العذاب مثل نصيب أصحابهم، وانظر كيف سمى الله تعالى السابقين بأزمان بعيدة أصحاباً لهؤلاء، وذلك لاتفاقهم في التكذيب، ورمي الرسل بما لا يستحقون، فهم أصحاب في الواقع وإن تباعدت الأزمان والأماكن {فلا يستعجلون} ، النون هنا مكسورة على أنها نون الوقاية وحذف الضمير: الياء، وأصله فلا يستعجلوني، فحذفت الياء تخفيفاً، ولهذا لا يشكل على الإنسان فيقول: كيف كانت