(كذلك) أي الأمر والشأن والقصة كذلك، والكاف بمعنى مثل، ثم فصل ما أجمله بقوله: (ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة، وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم
(أتواصوا به) الإستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم أي: هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطؤوا عليه حتى قالوه جميعاً متفقين عليه؟ أو الاستفهام للنفي، أي: ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد (بل هم قوم طاغون) إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان، أي لم يتواصوا بذلك بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر، فهو إضراب إنتقالي. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم فقال:
(فتول عنهم) أي: أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق،
فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته، وكررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد (فما أنت بملوم) عند الله على الإعراض بعد هذا الإنذار لأنك قد أديت ما عليك وما قصرت فيما أمرت به، وبذلت المجهود في البلاغ، وهذا منسوخ بآية السيف، أو بقوله الآتي وذكر الآية قال ابن عباس: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالتي هي أحسن فقال:
(وذكر) أي جميعهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) أي من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة، قال الكلبي: المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم، وقال مقاتل: عظ كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن، وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام الله وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به.