سَلَامَةُ الْقَلْبِ لَا تَتِمُّ لَهُ سَلَامَتُهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْلَمَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ شِرْكٍ يُنَاقِضُ التَّوْحِيدَ، وَبِدْعَةٍ تُخَالِفُ السُّنَّةَ، وَشَهْوَةٍ تُخَالِفُ الْأَمْرَ، وَغَفْلَةٍ تُنَاقِضُ الذِّكْرَ، وَهَوًى يُنَاقِضُ التَّجْرِيدَ وَالْإِخْلَاصَ.
وَهَذِهِ الْخَمْسَةُ حُجُبٌ عَنِ اللَّهِ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، تَتَضَمَّنُ أَفْرَادًا لَا تَنْحَصِرُ.
(فصل)
والسليم: هو السالم، وجاء على هذا المثال لأنه للصفات، كالطويل والقصير والظريف. فالسليم: القلب الذي قد صارت السلامة صفة ثابتة له كالعليم والقدير وأيضا فإنه ضد المريض والسليم والعليل.
وقد اختلفت عبارات الناس في معنى القلب السليم.
والأمر الجامع لذلك: أنه الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه ومن كل شبهة تعارض خبره. فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله فسلم في محبته مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه، والذل له، وإيثار مرضاته في كل حال، والتباعد من سخطه بكل طريق. وهذا هو حقيقة العبودية التي لا تصلح إلا لله وحده.
فالقلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيها شركة بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة، ومحبة وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله وأمره كله لله، فإن أحب أحب في الله، وإن بغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكم لكل من عدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأموال والأعمال: من أقوال القلب، وهي العقائد.
وأقوال اللسان، وهي الخبر عما في القلب وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهية وتوابعها، وأعمال الجوارح، فيكون الحكم عليه في ذلك كله دقّة وجلّه:
لما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم. فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}
أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر.
قال بعض السلف: ما من فعلة، وإن صغرت، إلا ينشر لها ديوانان:
لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟.