قوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى الله} : فيه أوجهٌ ، أحدُها: أنه منقطِعٌ أي: لكنْ مَنْ أتى اللهَ بقَلْبٍ سليمٍ فإنه ينفَعُه ذلك . وقال الزمخشري:"ولا بُدَّ لك مع ذلك مِنْ تقديرِ مضافٍ وهو الحالُ المرادُ بها السلامةُ ، وليست من جنسِ المالِ والبنينَ ، حتى يَؤول المعنى إلى: أنَّ البنينَ والمالَ لا ينفعانِ ، وإنما ينفعُ سَلامةُ القلبِ ، ولو لم يُقَدَّرِ المُضافُ لم يَتَحصَّلْ للاستثناءِ معنى".
قال الشيخ:"ولا ضرورةَ تَدْعُو ألى حذفِ المضافِ كما ذكر". قلت: إنما قَدَّرَ المضافَ ليُتَوَهَّمَ دخولُ المستثنى في المستثنى منه ؛ لأنه متى لم يُتَوَهَّمْ ذلك لم يَقعِ الاستثناءُ ، ولهذا مَنَعوا:"صَهَلَتِ الخيلُ إلاَّ الإِبِلَ"إلاَّ بتأويلٍ .
الثاني: أنه مفعولٌ به لقوله:"لا يَنْفَعُ"أي: لا ينفعُ المالُ والبنونَ إلاَّ هذا الشخصَ فإنه ينفَعُه فإنه ينفَعُه مالُه المصروفُ في وجوهِ البِرِّ ، وبنوه الصلحاءُ ، لأنه عَلَّمهم وأحسنَ إليهم . الثالث: أنه بدلٌ مِن المفعولِ المحذوفِ ، أو مستثنى منه ، إذ التقديرُ: لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ أحداً من الناس إلاَّ مَنْ كانت هذه صفتَه . والمستثنى منه يُحْذَفُ كقوله:
3520 ... ... ... ... ... ... ... ولم يَنْجُ إلاَّ جَفْنَ سيفٍ ومِئْزرا
أي: ولم يَنْجُ بشيءٍ . الرابع: أنه بدلٌ مِنْ فاعلٍ"يَنْفَعُ"فيكون مرفوعاً . قال أبو البقاء:"وغَلَّبَ مَنْ يَعْقِلُ فيكون التقديرُ: إلاَّ مالُ مَنْ ، أو بنو مَنْ فإنه ينفع نفسَه وغيرَه بالشفاعة".