القلوب شيئا فشيئا كعرض عيدان الحصير ، وهي طاقاتها شيئا فشيئا ، وقسم القلوب عند عرضها عليها إلى قسمين: قلب إذا عرضت عليه فتنة أشربها ، كما يشرب السفنج الماء فتنكت فيه نكتة سوداء ، فلا يزال يشرب كل فتنة تعرض عليه حتى يسود وينتكس ، وهو معنى قوله"كالكوز مجخيا"أي مكبوبا منكوسا ، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك: أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر ، فلا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا ، وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرا والمنكر معروفا ، والسنة بدعة والبدعة سنة ، والحق باطلا والباطل حقا ، الثاني: تحكيمه هواه على ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وانقياده للهوى واتباعه له.
وقلب أبيض قد أشرق فيه نور الإيمان ، وأزهر فيه مصباحه ، فإذا عرضت عليه الفتنة أنكرها وردها ، فازداد نوره وإشراقه وقوته.
والفتن التي تعرض على القلوب هي أسباب مرضها ، وهي فتن الشهوات وفتن الشبهات ، فتن الغى والضلال ، فتن المعاصى والبدع ، فتن الظلم والجهل فالأولى توجب فساد القصد والإرادة ، والثانية توجب فساد العلم والاعتقاد.
وقد قسم الصحابة رضى الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة ، كما صح عن حذيفة بن اليمان:
"الْقلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ ، فِيهِ سِرَاجٌ يُزْهِرُ ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ ، وَقَلْبٌ أَغْلفُ ، فَذلِكَ قَلْبُ الكَافِرِ ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ ، فَذلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ ، عَرَفَ ثمَّ أَنْكَرَ ، وَأبْصَرَ ثُمَّ عَمِىَ ، وَقَلْبُ تَمُدُّهُ مَادَّتَانِ: مَادَّةُ إِيمَانٍ ، وَمَادَّةُ نِفَاقٍ ، وَهُوَ لما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا".
فقوله"قلب أجرد"أي متجرد مما سوى الله ورسوله ، فقد تجرد وسلم مما سوى الحق. و"فيه سراج يزهر"وهو مصباح الإيمان: فأشار بتجرده إلى سلامته من شبهات