وقوله {وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي} [طه: 18] لا تعني كما يظن البعض أنها مجرد الإشارة بها إلى الغنم أو ضربها ، فأهشُّ تعني أضرب بها أوراقَ الشجر لتتساقط ، فتأكلها الأغنام الصغار التي لا تطول أوراقَ الشجر ، أو الكبار التي أكلتْ ما طالته أعناقها وتحتاج المزيد .
ولما وجد موسى نفسه قد أطال في هذا المقام قال {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] كأنْ أدافع بها عن نفسي ليلاً ، إنْ تعرَّض لي كلب أو ذئب مثلاً ، أو أغرسها في الأرض وأُلقي عليها بثوبي لأستظلَّ به وقت القيلولة ، أو أجعلها على كتفي وأُعلِّق عليها متاعي حين أسير . . الخ .
هذه مهمة العصا كما يراها موسى عليه السلام لكن للعصا مهمة أخرى لا يعلمها ، فهي حُجّته وآية من الآيات التي أعطاه الله ، فبها انتصر في معركة الحجة مع السَّحَرة ، وبها انتصر في معركة السلاح حين ضرب بها البحر فانفلق .
ومن العجيب في أمر العصا أن يضرب بها البحر ، فيصر جبلاً ، ويضرب بها الحجر فينفجر بالماء ، وهذه آيات باهرات لا يقدر عليها إلا الله عز وجل .
لذلك جعلوا عصا موسى حجة ودليلاً وعَلَماً على الانتصار في كل شيء ، فلما كان الخصيب والياً على مصر ، وتمرد عليه بعض قُطَّاع الطرق ، وكانت لديه القوة التي قهرهم بها ، لذلك قال:
فَإِنْ يَكُ بَاقٍ إِفْكُ فِرْعوْنَ فيكُمْ ... فَإنَّ عَصَا مُوسَى بكَفِّ خَصِيبِ
وفي هذا المعنى يقول شاعر آخر:
إذَا جَاءَ مُوسَى وأَلْقَى العَصَا ... فَقَدْ بَطُلَ السِّحْرُ والسَّاحِرُ
إذن: صارتْ عصا موسى عليه السلام مثَلاً وعَلَماً للغَلبة في أيِّ مجال من مجالات الحياة .
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65)
فقد حُسِمتْ هذه المعركة لصالح موسى ومَنْ معه دون إراقة دماء ، ودون خسارة جندي واحد ، في حين أن المعارك على فرض الانتصار فيها لا بُدَّ أن تكون لها نسبة خسائر في الأرواح وفي العَتَاد ، أما هذه فلا .