لكن بعد أن صار الماء إلى ضِدِّه وتجمّد كالجبل ، وصنع بين الجبلين طريقاً ، أليس في قاع البحر بعد انحسار الماء طين ورواسب وأوحال وطمي يغوص فيها الإنسان؟
إننا نشاهد الإنسان لا يكاد يستطيع أن ينقل قدماً إذا سار في وحل إلى ركبتيه مثلاً ، فما بالك بوحْل البحر؟
لذلك قال له ربه: {لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى} [طه: 77] .
فالذي جعل الماء جبلاً ، سيجعل لك الطريق يابساً .
والحق تبارك وتعالى لم يُبيِّن لنا في انفلاق البحر ، إلى كَمْ فلقة انفلق ، لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط ، بحيث يمر كل سَبْط من طريق .
وفي لقطة أخرى من القصة أراد موسى عليه السلام أنْ يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته ، فيسُدُّ الطريق في وجه فرعون وجنوده على حَدِّ تفكيره كبشر ، لكن الحق تبارك وتعالى نهاه عن ذلك: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ * واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 2324] .
اتركه على حاله ليُغري الطريق اليابس فرعون وجنوده ، لذلك قال سبحانه: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين}
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64)
أي: قرّبناهم من منتصف البحر ، ثم أطبقه الله عليهم حين أمر الماء أن يعود إلى سيولته وقانون استطراقه ، وهكذا يُنجِّي الله ويُهلِك بالشيء الواحد و {الآخرين} [الشعراء: 64] يعني: قوم فرعون ، و {ثَمَّ} [الشعراء: 64] أي: هناك وسط البحر .
وللعصا مع موسى عليه السلام تاريخ طويل منذ أن سأله ربه {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى} [طه: 17] فأخبر بما يعرفه عنها {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي} [طه: 18] .