47 -وفي التعبير بالإلقاء إشارة إلى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الدهش حتى كأنهم أخذوا فطرحوا، ثم فاهوا بما يجيش في صدورهم، وتنطوي عليه جوانحهم {قَالُوا} ؛ أي: السحرة، بدل اشتمال من {فَأُلْقِيَ} ، فلذلك لم يتخلل بينهما عاطف، أو حال بإضمار قد {آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} الذي دعا إليه موسى أول ما تكلم مع فرعون، انظر كيف أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء مسلمين مؤمنين، فالمغرور من اعتمد على شيء من أعماله وأقواله وأحواله،
48 -وقوله: {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} بدل من {بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ؛ لدفع توهم إرادة فرعون حيث كان قومه الجهلة يسمونه بذلك، ولو وقفوا على رب العالمين .. لقال فرعون: أنا رب العالمين؛ إياي عنوا، فزادوا {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} ، فارتفع الإشكال، وفي هذا إيماء إلى عزل فرعون عن الربوبية، وأن سبب إيمانهم ما أجراه الله تعالى على يدي موسى وهارون من المعجزات، وأضافوه سبحانه إليهما؛ لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحال، وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب، وأن الرب في الحقيقة هو هذا.
وبعد أن حصحص الحق، ووضح الصبح لذي عينين .. لجأ فرعون إلى العناد والمكابرة، وشرع يهدد ويتوعد، ولكن ذلك لم يجد في السحرة شيئًا، ولم يزدهم إلا إيمانًا وتسليمًا إذ كان حجاب الكفرة قد انكشف، واستبان لهم نور الحق وعلمهم ما جهل قومهم، وأن القوة التي تؤيد موسى قوة غيبية، قد أيده الله بها وجعلها دليلًا على صدق ما يدعي.