-والحقيقة الثانية - أن الحق في جميع الأشياء واحد لا يتعدد، وأن الحق في جميع الظروف ثابت لا يتغير، وعلى هذا الأساس قامت النواميس الطبيعية التي تنظم الأكوان، والنواميس الخلقية والعمرانية التي تنظم حياة الإنسان {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23] ، فبالحق المنبثق عن إرادة الله قامت السماوات والأرض، لا بالهوى الذي تمليه الشهوات والأغراض {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} [يونس: 32] . ولو كانت نفس النواميس الطبيعية والنواميس الخلقية والعمرانية تابعة لأهواء الأفراد والجماعات لما عرف الكون سيره المطرد، ولما أمكن فيه أي استقرار أو ثبات، ولما انتظمت حياة الإنسان على سطح الأرض لحظة واحدة، إذ لا سبيل حينئذ إلى تمييز الخبيث من الطيب، والمستقيم من المعوج، والحق من الباطل، ولسادت الفوضى والعماء. علاوة على أنه لا سبيل إلى ترضية الأهواء المتعارضة، والشهوات المتناقضة، وأقرب مثال يؤكد هذه الحقيقة ورد في نفس السياق ما وقع عند الخروج عليها وعدم التزامها من انقسام البشرية على نفسها، وتمزيقها لوحدة دين الحق الوحيد، إذ جعلت منه أديانا متعادية، ومللا متطاحنة، وأحدثت فيه بدعا لا تحصى، تبعا لأهوائها المفرقة، على حد قوله تعالى هنا: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} ، ولولا كتاب الله الذي جاء بدين الحق على وجهه الصحيح لاختلط الحابل بالنابل، ولما عرف الحق من الباطل، وإلى هذه الحقيقة الثانية يشير قوله تعالى هنا: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} .