قال - عليه الرحمة:
{إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) }
أمارةُ الإشفاق من الخشيةِ إطراقُ السريرة في حال الوقوف بين يدي الله بشواهد الأدب، ومحاذرةُ بَغَتَاتِ الطَّرْد، لا يستقر بهم قرارٌ لِمَا داخَلَهم من الرُّعْبِ، واستولى عليهم من سلطانِ الهيبة.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58)
تلك الآياتُ مختلفةٌ؛ فمنها ما يُكاشَفون في الأقطار من اختلاف الأدوار، وما فيه الناس من فنون الهِممَ وصنوفِ المُنى والإرادات، فإذا آمن من العبدُ بها، واعتبر بها اقتنع بما يرى نَفْسَه مطالَباً به.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59)
يَذَرون جَليَّ الشِّرْكِ وخَفِيَّة، والشِّرْكُ الخفيُّ ملاحظةُ الخَلْق في أوان الطاعات، والاستبشارُ بمَدْحِ الخَلْقِ وقبولهم، والانكسارُ والذبولُ عند انقطاع رؤية الخلْق.
ويقال الشِّرْكُ الخفيُّ إحالةُ النادر من الحالات - في المَسَارِّ والمَضَارِّ - على الأسباب كقول القائل:"لولا دعاءُ أبيك لهلكت"و"لولا هِمَّةُ فلان لما أفلحت"... وأمثال هذا؛ قال الله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنَُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] .
وكذلك تَوَهُّمْ حصولِ الشِّفَاءِ من شُرْبِ الدواء.
فإذا أيقن العبدُ بِسرِّه ألا شيء من الحدثان، ولم يتوهم ذلك، وأيقن ألاَّ شيء إلا من التقدير فعند ذلك يبقى عن الشِّرْكِ.
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)
يُخْلِصُو في الطاعات من غير إلمام بتقصيرٍ، أو تعريحٍ في أوطانِ الكسل، أو جنوحٍ إلى الاسترواح بالرُّخَص. ثم يخافون كأنّهم أَلمُّوا بالفواحش، ويلاحظون أحوالَهم بعين الاستصغار والاستحقار، ويخافون بغتاتِ التقدير، وقضايا السخط، وكما قيل: