(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
روي عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله: «لَمَّا خَلَقَ الله تَعَالَى جَنَّةَ عَدْنٍ وَخَلَقَ فِيها مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} ثَلاثاً» .
وشهد القرآن المجيد بالفلاح للمصلين، وقال رسول الله: «أَتَانِي جِبْرَائِيلُ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ حِينَ زَالَتْ وَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ» .
واشتقاق الصلاة قيل من الصلى وهو النار، والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقويمها تعرض على النار ثم تقوم، وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمارة بالسوء، وسبحات وجه الله الكريم التي لو كشف حجابها لأحرقت من أدركته: يصيب بها المصلي من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجه، بل يتحقق به معراجه؛ فالمصلي كالمصطلي بالنار، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يعرض على نار جهنم إلا تحله القسم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «يَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، قَالَ الله تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قَالَ الله تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قَالَ: هذا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ، قَالَ الله تَعَالَى: هذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» .
فالصلاة صلة بين الرب والعبد، وما كان صلة بينه وبين الله فحق العبد أن يكون خاشعاً لصولة الربوبية على العبودية.