ومن لطائف ونكات تفسير ابن الجوزي:
قوله تعالى: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ(14)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف الجمع بين قوله: (أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) وقوله: (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) .
فالجواب: أن الخلق يكون بمعنى الإِيجاد، ولا موجِد سوى الله، ويكون بمعنى التقدير، كقول زهير:
وبعض القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي
فهذا المراد هاهنا، أن بني آدم قد يصوِّرون ويقدِّرون ويصنعون الشيء، فالله خير المصوِّرين والمقدِّرين.
وقال الأخفش: الخالقون هاهنا هم الصانعون، فالله خير الخالقين.
قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ(20)
«فَإِنْ قِيلَ» : لماذا خص هذه الشجرة من بين الشجر؟
فالجواب من أربعة أوجه:
أحدها: لكثرة انتفاعهم بها، فذكَّرهم من نِعَمِه ما يعرفون، وكذلك خص النخيل والأعناب في الآية الأولى، لأنهما كانا جُلَّ ثمار الحجاز وما والاها، وكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف.
والثاني: لأنهم لا يكادون يتعاهدونها بالسقي، وهي تُخرج الثمرة التي يكون منها الدُّهن.
والثالث: أنها تنبت بالماء الذي هو ضد النار، وفي ثمرتها حياة للنار ومادة لها.
والرابع: لأن أول زيتونة نبتت بذلك المكان فيما زعم مقاتل.
(إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(37)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قالوا: (نَمُوتُ وَنَحْيا) وهم لا يقرُّون بالبعث؟
فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها الزجاج:
أحدها: نموت ويحيا أولادنا، فكأنهم قالوا: يموت قوم ويحيا قوم.
والثاني: نحيا ونموت، لأن الواو للجمع، لا للترتيب.
والثالث: أبتداؤنا موات في أصل الخلقة، ثم نحيا، ثم نموت.
(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال: «ارجعون» وهو يريد: «ارجعني» ؟
فالجواب: أن هذا اللفظ تعرفه العرب للعظيم الشأن، وذلك أنه يخبر عن نفسه فيه بما تخبر به الجماعة، كقوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ) ، فجاء خطابه عن نفسه، هذا قول الزّجّاج. انتهى انتهى {زاد المسير في علم التفسير} ...