{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ} أي: ابتدأنا خلقه: {مِنْ سُلالَةٍ} أي: خلاصة: {مِنْ طِينٍ} أي: تراب خلط بماء فصار نباتاً فأكله إنسان فصار دماً {ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً} أي: بأن خلقناه منها، أو ثم جعلنا السلالة نطفة بالتصفية: {فِي قَرَارٍ} أي: مستقر، وهو رحم المرأة الذي نقل إليه: {مَكِينٍ} أي: متمكن لا يمجّ ما فيه.
{ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي: بالاستحالة من بياض إلى حمرة كالدم الجامد: {فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً} أي: قطعة لحم بقدر ما يمضغ: {فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً} أي: بأن صلبناها وجعلناها عموداً للبدن، على هيئات وأوضاع مخصوصة، تقتضيها الحكمة: {فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً} أي: جعلناه محيطاً بها ساتراً لها كاللباس: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} أي: بتمييز أعضائه وتصويره، وجعله في أحسن تقويم: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ} أي: تعاظم قدرة وحكمة وتصرفاً: {أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} أي: المقدرّين. فالخلق بمعنى التقدير كقوله:
وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلقتَ وَبَعْ ضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي
لا بمعنى الإيجاد. إذ لا خالق غيره، إلا أن يكون على الفرض.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ} أي: بعد ما ذكر من الأمور العجيبة وتحصيل هذه الكمالات: {لَمَيِّتُونَ} أي: لصائرون إلى الموت.
قال المهايميّ: والحكيم لا يتلف ما استكمله بأنواع التكميل، ولذلك سيبعثه كما قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أي: من قبوركم للحساب والمجازاة. انتهى انتهى. {محاسن التأويل حـ 12 صـ 298 - 299}