قال - رحمه الله:
ثم قالوا: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} .
مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للألف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة
عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون.
وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع المؤنث لازم.
وقيل:"هو"في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم"صه"عن السكوت.
فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم.
قال ابن عباس:"هيهات هيهات": بعيد بعيد.
ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد.
فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر] .
فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ... وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ
كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله.
وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر: أنه قال: بعداً بعداً لما توعدون.
ثم قال: {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} .
أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: {هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا.
وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.