{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) }
هذا من تمام القول المحكي في {قال كم لبثتم في الأرض} [المؤمنون: 112] مفرع على ما قبله.
فرع الاستفهام عن حسبانهم أن الخلق لأجل العبث على إظهار بطلان ما زعموه من إنكار البعث.
والاستفهام تقرير وتوبيخ لأن لازم إنكارهم البعث أن يكون خلق الناس مشتملاً على عبث فنزلوا منزلة من حسب ذلك فقُرروا ووبخوا أخذا لهم بلازم اعتقادهم.
وأدخلت أداة الحصر بعد (حسب) فجعلت الفعل غير ناصب إلا مفعولاً واحداً وهو المصدر المستخلص من {أنما خلقناكم} والتقدير: أفحسبتم خلقنا إياكم لأجل العبث، وذلك أن أفعال الظن والعلم نصبت مفعولين غالباً لأن أصل مفعوليها مبتدأ وخبر، أي اسم ذات واسم صفة فاحتياجها إلى المفعول الثاني من باب احتياج المبتدأ إلى الخبر لئلا تنعدم الفائدة في المبتدأ مجرداً عن خبره، وبذلك فارقت بقية الأفعال المتعدية باحتياجها إلى منصوبين لأن معناها لا يتعلق بالذوات؛ فقولك: ظننت زيداً قائماً، إنما هو في الحقيقة: ظننت قيام زيد، فمفعولها هو المصدر وحقه أن يكون خبراً مضافاً إلى ضمير مبتدئه كما قال الرضي: يعني أن العرب استعملوها بمفعولين كراهية لجعل المصدر مفعولاً به كأنهم تجنبوا اللبس بين المفعول به والمفعول المطلق، وهذا كما استعملوا أفعال الكون مسندة إلى اسم الذوات ثم أتوا بعد اسم الذات باسم وصفها ولم يأتوا باسم الوصف من أول وهلة ولذلك إذا أوقعوا بعدها حرف المصدر اكتفوا به عن المفعولين، ولم يسمع عنهم أنهم نصبوا بها مصدراً صريحاً.
فإذا وقع مفعول أفعال الظن اسم معنى وهو المصدر الصريح أو المنسبك وحذف الفائدة فاجتزأت بالمصدر كقوله تعالى: {إني ظننت أني ملاققٍ حِسَابِيَهْ} [الحاقة: 20] .