فصل فِي التفسير الإشاري فِي الآيات السابقة
قال العلامة نظام الدين النيسابوري:
التأويل: {فإذا نفخ في الصور} فيه أن نفخة العناية الأزلية إذا نفخت في صور القلب قامت القيامة وانقطعت الأسباب فلا يلتفت إلى أحد من الأنساب، لا إلى أهل ولا إلى ولد لاشتغاله في طلب الحق واستغراقه في بحر المحبة، فلا يقع بينهم التساؤل عما تركوا من أسباب الدنيا ولا عن أحوال أهاليهم وأخدانهم وأوطانهم إذا فارقوها {لكل امرئ منهم يومئذ} [عبس: 37] في طلب الحق {شأن يغنيه} [عبس: 37] عن طلب الغير {فأولئك الذينخسروا أنفسهم} لأنهم إذا خفت موازينهم عن طلب الحق وانقطع عليه الطريق بنوع من التعليقات ورجع القهقرى بطل استعداده في الطلب، فإن الإنسان كالبيضة المستعدة لقبول تصرف دجاجة الولاية فيه وخروج الفرخ فيها، فما لم تتصرف فيها الدجاجة يكون استعداده باقياً، فإذا تصرفت الدجاجة يها وانقطع تصرفها عنها بإفساد البيضة فلا ينفعها التصرف بعد ذلك لفساد الاستعداد ولهذا قالت المشايخ: مرتد الطريقة شر من مرتد الشريعة. ولهذا قال {في جهنم خالدون} وأجيبوا بقوله {اخسئوا فيها ولا تكلمون} لأنه ليس من سنتنا إصلاح الاستعداد بعد إفساده {إنه كان فريق من عبادي} هم العلماء بالله النصحاء لأجله {فاتخذتموهم سخرياً} فضربتم أنفسكم على سيوف هممهم العلية {حتى أنسوكم} بهممهم وبيد الرد {ذكرى وكنتم منهم تضحكون} لأن قلوبكم قد ماتت وكثرة الضحك تميت القلب {جزيتهم اليوم بما صبروا} فيه أن أهل السعادة كما ينتفعون بمعاملاتهم الصالحة مع الله ينتفعون بإنكار منكريهم، ومثله حال أهل الشقاء في الجانب الآخر وهو الاستضرار {لا برهان له به} أي لا يظهر عليه برهان العبادة وهو النور والضياء والبهاء والصفاء وإن تقرب إلى ذلك الذي عبده من دون الله بأنواع القربات. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 139}