(فصل آخر: من الأسرار البلاغية في السورة الكريمة)
{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) }
قال: هذا، ولم يقل: هو؛ ليبرز المسند إليه ويحدده فيقع الحكم عليه بأنه إفك مبين بعد هذا التمييز والتجسيد، وفي ذلك كما يقول الدكتور أبو موسى في (خصائص التراكيب) : كبير قدر من قوة الحكم وصدق اليقين من أنه إفك مبين.
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ... (15) }
فقد ذكر هذين القيدين: {بِأَلْسِنَتِكُمْ} ، {بِأَفْوَاهِكُمْ} ، فأكد الإنكار والزجر، إذ الآية في سياق الحديث عن أولئك الذين خاضوا في حادثة الإفك، والتلقي لا يكون إلا بالألسنة والقول لا يكون إلا بالأفواه، فذِكر هذين القيدين فيه مزيد من الردع والتوبيخ الذي اقتضاه المقام.
{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) }
وتأمل قوله - عز وجل - بعد ذلك: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}
تجد تميز الحدث وكمال إبرازه بالإشارة إليه أن نتكلم بهذا: {سُبْحَانَكَ هَذَا} ، قد جعل الحكم عليه بأنه بهتان عظيم يقع موقعه في الأنفس، ولا يخفى عليك ما وراء الإشارة من تحقير وإهانة لمن خاض في هذه الحادثة.
ومن دواعي تعريف المسند إليه بالإشارة أيضًا قصد التعريض بغباوة السامع، وأن الأشياء لا تتميز عنده إلا بالإشارة الحسية كقول الفرزدق يهجو جريرًا ويفتخر عليه:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فهنا يخاطبه قائلًا: أولئك الذين عرفت ما لهم من القدر العظيم، وعلمت ما بلغوه من الشرف الرفيع، هم آبائي الذين أعتز بهم وأفخر، فهل تستطيع يا جرير ولن تستطيع أن تأتي بأمثالهم من آبائك إذا جمعتنا مجامع الفخر والمساجلة؟ فالأمر في قوله: فجئني؛ للتعجيز، والشاهد في البيت هنا أولئك آبائي حيث عرف المسند إليه بالإشارة؛ قصدًا إلى التعريض بغباوة السامع، وأنه لا يدرك إلا المحس لحاسة البصر؛ لأن المشار إليهم غائبون لموتهم، وفي التعريف بالإشارة أيضًا تعظيم للآباء. وهذا سر آخر، ومعلوم أن النكات البلاغية لا تتزاحم.