ومن لطائف ونكات تفسير الطوفي:
{فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ... (45) }
(في التقديم والتأخير)
ومنه تقديم الأعجب فالأعجب: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} ولو العكس، لكان من تقديم الأكثر فالأكثر، كقوله تعالى: {فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد * ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر] ، فهذه الأصناف من الناس في الكثرة والقلة على هذا الترتيب.
ولو عكس، لكان من باب تقديم الأفضل فالأفضل، وهم في الأفضلية على هذا الترتيب.
وعلى هذا، فمتى تفاوت الشيئان فصاعدًا في وصفين، فلك تقديم أيهما شئت باعتبار رجحانه في وصفه، لاستوائهما يكون كل منهما راجحًا من وجه، مرجوحًا من وجه، نعم إن كان تقديم أحدهما أنسب لسياق الكلام ومطلعه، كان تقديمه أولى، فمن ذلك آية النور، تقديم الأعجب فالأعجب فيها أنسب لما قبله من سياق الكلام ألا ترى أنه تعالى ذكر عجائب مصنوعاته تنبيهًا على قدرته بقوله تعالى: {ألم تر أن الله يزجي سحابًا} ، ثم ذكر العجائب العلوية من: برد، وبرق، ومطر، وغير ذلك، ثم ذكر الدواب، فكان المناسب تقديمه ما ذكر.
ومنه آية الملائكة، فإنها سيقت لبيان استحقاقه الحمد، وتذكير العباد نعمه عليهم وتحذيرهم من متابعة الشيطان، وإنكار كلمهم، وكفرهم عليهم، ثم عقب ذلك بذكر المخلوقات الكثيرة بقوله: {فأخرجنا به ثمرات مختلفًا ألوانها * ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} [فاطر] ، فناسب ذلك تقديم الظالم والمقتصد المفضوليين، وتقديم الأكثر فالأكثر. انتهى انتهى {الإكسير في علم التفسير} ...