قوله تعالى: (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ(75)
أرجع خطابه - وهو أعلم - إلى المعنيين بقوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) غير أن هذا إخبار منه
عن فعلهم لو كشف العذاب عنهم، وذلك إخبار عن حالهم لو قد رأوا العذاب كان
يكون هجيراهم حينئذٍ الجؤار والإقرار بالذنوب، وبأنهم كانوا ظالمين، وذلك
حين لا تنفعهم التوبة ولا تغني عنهم التلاوة، وإنما كان ينفع ذلك قبل المعاينة
للعذاب أو الموت، وهذه الآية إخبار منه عن حالهم لو كشف عنهم العذاب، كما
قال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(28) .
أتبع ذلك قوله: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ(76)
يريد - وهو أعلم بما ينزل - أوائل العذاب ونذره وأسباب ذلك الذي عبر عنها قوله: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42) (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(130)
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
أتبع ذلك ما هو إتمام المعنى قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ(77) . هذه هي العزمة والمعاينة وقد تقدم ذكرها.
ثم أرجع الكلام إلى معنى صدر السورة من ذكر خلق الإنسان قوله: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ...(78) . يعدد نعمه عليهم، ويعرض بل يصرح بقلة شكرهم وعدم اهتدائهم.
واستمر على ذلك بقوله: (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(79)
إلى قوله: (وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(80)