(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
{إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) }
كَانَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ كَأَبِي جَهْلٍ وَعُتْبَةَ وَالْوَلِيدِ قَدِ اتَّخَذُوا فُقَرَاءَ الصَّحَابَةِ كَعَمَّارٍ وَبِلالٍ وَخَبَّابٍ وصهيب سخرياً يستهزءون بِهِمْ وَيَضْحَكُونَ مِنْهُمْ, فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهُمْ: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} على أذاكم واستهزائكم.
أما عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ رِحْلَةٍ دَافَعُوا زَمَانَ الْبَلاءِ وَأَدْلَجُوا فِي لَيْلِ الصَّبْرِ عِلْمًا مِنْهُمْ بِقُرْبِ فَجْرِ الأَجْرِ, فَمَا كَانَتْ إِلا رَقْدَةٌ حَتَّى صَبَّحُوا مَنْزِلَ السَّلامَةِ, نَفِذَتْ أَبْصَارُ بَصَائِرِهِمْ بِنُورِ الْغَيْبِ إِلَى مُشَاهَدَةِ مَوْصُوفِ الْوَعْدِ, فَتَعَلَقَّتْ يَدُ الآمَالِ بِمَا عَايَنَتْ بَوَاطِنُ الْقُلُوبِ, وَأَخْمَصُوا عَنِ الْحَرَامِ الْبُطُونَ, وَغَضُّوا عَنِ الآثَامِ الْجُفُونَ, وَسَكَبُوا فِي ظَلامِ اللَّيْلِ الدُّمُوعَ, وَتَمْلَمُلوا تململ الملسوع, استقاد قلوبهم زمان التطلف, ثُمَّ جَثَّهَا سَائِقُ التَّعَسُّفِ, فَكُلَّمَا أَلاحَ لَهُمُ الرَّجَاءُ نُورَ الْوِصَالِ طَبَّقَ ظَلامُ الْخَوْفِ سَمَاءَ الأَعْمَالِ, فَهُمْ فِي بَيْدَاءِ التَّحَيُّرِ يَسْرَحُونَ, وَمِنْ بَابِ التَّضَرُّعِ لا يَبْرَحُونَ, وَحُزْنُهُمْ أَوْلَى مِمَّا يَفْرَحُونَ, فَإِذَا عَمَّهُمُ الْغَمُّ فَبِالذِّكْرِ يَتَرَوَّحُونَ, رَفَضُوا الدُّنْيَا فَسَلَّمُوا وَطَلَبُوا الأُخْرَى فَمَا نَدِمُوا, يَا بُشْرَاهُمْ إِذَا قَدِمُوا وَغَنِمُوا.