قال - عليه الرحمة:
{يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) }
كلوا من الطيبات مما أَحلَ لكم وأباح، وما هو محكوم بأنَّه طيب، على شريطة مطابقة رُخصَهِ الشريعة - مما كان حلالاً في وقتهم، مطلقاً مأذوناً لهم فيه. وكذلك أعمالهم الصالحة ما كان موافقة لأمر الله في زمانهم بفنون طاعاتهم في أفعالهم وعقائدهم وأحوالهم.
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)
معبودكم واحدٌ ونبيُّكم واحد، وشرعكم واحد؛ فأنتم في الأصول شرعٌ سواءٌ، فلا تسلكوا ثِنْيَاتِ الطرق فتطيحوا في أودية الضلالة. وعليكم باتباع سَلَفِكم، واحذروا موافقة ابتداع خَلَفكم.
{وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} خافوا مخافة أمري، وأعرفوا عظيمَ قَدْرِي، واحفظوا في جريان التقدير سِرِّي، واستديموا بقلوبكم ذكري، تجدوا في مآلكم غفري، وتَحْظَوْا بجميلِ بِرِّي.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
فمستقيم على حَقِّه، وتائه في غَيِّه، ومُصِرُّ على عصيانه وفِسْقِه، ومقيمٌ على إحسانه وصِدْقه، كُلٌّ مربوطٌ بحدِّه، موقوفٌ بما قُسِمَ له في البداية من شأنه كلٌّ ينتحل طريقَته ويَدَّعى بحسن طريقته حقيقةً، وعد صحوِ سماءِ قلوبِ أربابِ التوحيد لا غُبارَ في الطريق؛ وهم على يقين معارفهم؛ فلا رَيْبَ يتخالجهم ولا شُبْهة.
وأهل الباطل في عَمَى جَهْلِهم، وغبارِ جُحْدِهم، وظلمة تقليدهم، ومحنة شكهم.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54)
إنَّ مدةَ أَخْذِهم لقريبةٌ، والعقوبة عليهم - إذا أُخِذُوا - لشديدة، ولسوف يتبين لهم خطؤهم من صوابهم.