قَوْله تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: هَذِهِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَمِمَّا امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِنَنِ الْمَاءُ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ وَنَمَاءُ الْحَيَوَانِ.
وَالْمَاءُ الْمُنَزَّلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى قِسْمَيْنِ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَهُ فِيهَا مُخْزُونَا لِسُقْيَا النَّاسِ، يَجِدُونَهُ [عُدَّةً] عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ، وَمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْآبَارِ.
وَالْقِسْمُ الْآخَرُ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فِي كُلِّ وَقْتٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ} الْآيَةَ، أَهُوَ فِي الْخَرِيفِ فِيمَا بَلَغَك، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ؛ بَلْ هَذَا فِي الْخَرِيفِ وَالشِّتَاءِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْزِلُ مَاؤُهُ مِنْ السَّمَاءِ إذَا شَاءَ، ثُمَّ هُوَ عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرٌ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُحْتَمَلٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً، فَأَسْكَنَهُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ يُنَزِّلُهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَكُونُ مِنْهُ غِذَاءٌ، وَمِنْهُ اخْتِزَانٌ زَائِدٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.