الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) }
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} قَدْ أَدْرَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَعَمِلُوا بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِمَّا سُمِّيَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، الْخُلُودَ فِي جَنَّاتِ رَبِّهِمْ وَفَازُوا بِطِلَبَتِهِمْ لَدَيْهِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"لَمَّا غَرَسَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْجَنَّةَ، نَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} "
عَنْ مَيْسَرَةَ، قَالَ:"لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ شَيْئًا بِيَدِهِ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ الْأَلْوَاحَ بِيَدِهِ، وَالتَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، وَغَرَسَ عَدْنًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} "
وَقَوْلُهُ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ إِذَا قَامُوا فِيهَا خَاشِعُونَ؛ وَخُشُوعُهُمْ فِيهَا تَذَلُّلُهُمْ لِلَّهِ فِيهَا بِطَاعَتِهِ، وَقِيَامُهُمْ فِيهَا بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِهِ فِيهَا.
وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ نُزُولِهَا، فَنُهُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ عَنْ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي عُنِيَ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ الْخُشُوعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ سُكُونُ الْأَطْرَافِ فِي الصَّلَاةِ.
عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «كَانَ خُشُوعُهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ، فَغَضُّوا بِذَلِكَ الْبَصَرَ , وَخَفَضُوا بِهِ الْجَنَاحَ»
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ، وَأَنْ تُلِينَ لِلْمَرْءِ الْمُسْلِمِ كَنَفَكَ، وَلَا تَلْتَفِتْ»
وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِهِ الْخَوْفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ الْخُشُوعَ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.