[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ(4)
وَفِي الزَّكَاةِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ: أَنَّ فِعْلَ الزَّكَاةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ مَحْمُودٍ مَرَضِيٍّ، كَقَوْلِهِ: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) [الْأَعْلَى: 14] وَقَوْلِهِ: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) [النَّجْمِ: 32] وَمِنْ جُمْلَتِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْ حَقِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ لِقوله تَعَالَى: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) [التَّوْبَةِ: 103] .
وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ الْحَقُّ الْوَاجِبُ فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ.
لِأَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ قَدِ اخْتَصَّتْ فِي الشَّرْعِ بِهَذَا الْمَعْنَى.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ إِنَّهُ فَعَلَ الزَّكَاةَ؟
قُلْنَا قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» : الزَّكَاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَيْنٍ وَمَعْنًى، فَالْعَيْنُ الْقَدْرُ الَّذِي يُخْرِجُهُ الْمُزَكِّي مِنَ النِّصَابِ إِلَى الْفَقِيرِ، وَالْمَعْنَى فِعْلُ الْمُزَكِّي الَّذِي هُوَ التَّزْكِيَةُ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّه تَعَالَى فَجَعَلَ الْمُزَكِّينَ فَاعِلِينَ لَهُ وَلَا يَسُوغُ فِيهِ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ مَا مِنْ مَصْدَرٍ إِلَّا يُعَبَّرُ عَنْ مَعْنَاهُ بِالْفِعْلِ.
وَيُقَالُ لِمُحَدِثِهِ فَاعِلٌ، يُقَالُ لِلضَّارِبِ فَاعِلُ الضَّرْبِ، وَلِلْقَاتِلِ فَاعِلُ الْقَتْلِ، وَلِلْمُزَكِّي فَاعِلُ الزَّكَاةِ، وَعَلَى هَذَا الْكَلَامِ كُلِّهِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالزَّكَاةِ الْعَيْنُ، وَيُقَدَّرَ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ وَهُوَ الْأَدَاءُ
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّ اللَّه تَعَالَى هُنَاكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَلِمَ فَصَلَ هَاهُنَا بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) ؟
قُلْنَا لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّغْوِ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الصَّلَاةِ.
(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ(5) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6)