(ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(60)
قوله: (ذَلِكَ ...(60) . المشار إليه هو ما ذكره من تمكينه الناصرين له
ونصره لهم وإدخاله إياهم مدخلًا يرضونه في جنات النعيم - أي: ذلك لهم - ثم
عطف عليه بحرف الواو، وقوله: (وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ) يريد
ممن بعدهم كان أولئك قد بُغي عليهم وظُلموا وأُخرجوا من ديارهم وأُوذوا في الله،
فأذن لهم في القتال والانتصار، ووعدهم بما قد أنجز لهم، ثم أخبر عمَّن بعدهم
الذين عاقبوا أعداءهم وأعداء آبائهم وأسلافهم في الله بمثل ماعوقبوا به
في الله، ثم بُغي عليهم كما بغي على أسلافهم لينصرنهم اللَّه، إن الله لعفو عن
الذنوب التي أوجبت إدالة أهل الباطل عليهم، غفور لمن استغفره.
أتبع ذلك قوله الحق: (ذَلِكَ ...(61) . أي: ذلك من إدالة الباطل على الحق، والحق
على الباطل (بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي
من وجود قدرة وحكمة أن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، والنهار
بمثابة الهدى والحق، والليل بمثابة الضلال والباطل.
(فصل)
من حكمته - جلَّ جلالُه - هو الحق الواحد الأحد، فما أوجده من مقتضى ذلك فهو
واحد لا مغاير له سوى ما هو به ومنه، فأوجد الأضداد لحكمة لطيفة ورحمة
بعباده في تدبيره الحق، فلو كان النهار واحدًا أبدًا والهدى كذلك والخير والغنى
والمحبوب كله لكان ذلك آية واحدة، فكان على ذلك في الأغلب هدم الذكر
ونسيان التذكار، ولما كان النهار عقيب الليل كان أبين للفهم وأقرب للتذكرة،
وكذلك النور عقيب الظلام، والخير عقيب الشر، والصحة عقيب السقم، والغنى
عقيب الفقر، والمحبوب كله عقيب المكروه كله، قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ
اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) .
وكثير ما صرف هذا من تعاقب الأضداد وتناوب الأغيار للتذكرة وتجديد