42 -44 - ثم عزى نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك بقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ} إلى قوله: {وَكُذِّبَ مُوسَى}
قال بعض أهل المعاني. إنما قال: {وَكُذِّبَ مُوسَى} ، ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه.
وقوله: {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم.
يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله. وأصل هذا من المَلَوين.
وذكرنا هذا عنِد قوله {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46] .
وقوله: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} أي: بالعذاب.
قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم.
{فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة، وبالكثرة قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟.
وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار.
45 - {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ} أي: وكم من قرية. ومعنى وكم من قرية: عدد كثير. يعني القرى المهلكة بظلم أهلها حين كذبوا نبيهم. وذكرنا الكلام في"كأين"في سورة آل عمران.
وقوله:"أهلكتها"وقرئ"أهلكناها"والاختيار التاء؛ لقوله {فَأَمْلَيْتُ} {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} . ومن قرأ بالنون ذهب إلى أمثاله مما ذكر بلفظ الجمع كقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [الأنبياء: 11] و {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] و {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ} [يونس: 13] .
وقوله: {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة.