{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}
النداء في ضَرْب المثل السابق كان للناس كافَّة؛ لأنه يريد أنْ يَلفِت عُبَّاد الأصنام إلى هذا المثَل، ويُسْمعهم إياه، أمَّا هنا فالكلام عن منهج ودستور مُوجَّه، خاصّة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يُكلَّف بالحكم إلا مَنْ آمن به، أما مَنْ كفر فليس أَهْلاً لحمل هذه الأمانة؛ لذلك تركه ولم ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد مَن استعان به ووثق فيه، فيدلّه ويرشده، أما مَنْ شكَّ في كلامه وقلّلَ من شأنه يتركه يضل في مفترق الطرق.
فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة مُنفكّة، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ. .} [النساء: 136] .
وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم يقول: آمِنوا، كيف وهم يؤمنون بالفعل؟
قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا قبل سماع الحكم الجديد ظَلُّوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمِرّوا على إيمانكم؛ لذلك إذا طلبتَ شيئاً ممَّنْ هو موصوف به فاعلم أن المراد الدوام عليه.
كما أن هناك فَرْقاً بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشكّ فيه ولا تعترض عليه، لكنك لا تنفذه وتعصاه، فمثلاً في الحج يقول تعالى: {وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت. .} [آل عمران: 97] الذي لله تعالى على عباده أنْ يحجوا البيت {مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً. .} [آل عمران: 97] وهذا شرط ضروري، فلا تكليفَ بلا استطاعة، ثم يقول: {وَمَن كَفَرَ} [آل عمران: 97] .
فهل يعني هذا أن مَنْ لم يحج فهو كافر؟