وقال الخطيب القزويني:
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) }
أكد إثبات الموت بتأكيدين وإن كان مما لا ينكر؛ لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت؛ لتماديهم في الغفلة والإعراض عن العمل لما بعده، ولهذا قيل: {لَمَيِّتُونَ} دون"تموتون"كما سيأتي الفرق بينهما وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان مما ينكر؛ لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بألا ينكر، بل إما أن يعترف به أو يتردد فيه، فنزل المخاطبون منزلة المترددين فيه؛ تنبيها لهم على ظهور أدلته، وحثا على النظر فيها، ولهذا جاء {تُبْعَثُونَ} على الأصل.
{وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) }
إذا كان الفعل منفيا؛ كقولك:"أنت لا تكذب"فإنه أشد لنفي الكذب عنه من قولك:"لا تكذب"، وكذا من قولك:"لا تكذب أنت"؛ لأنه لتأكيد المحكوم عليه، لا الحكم. وعليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [سورة المؤمنون: 59] فإنه يفيد من التأكيد في نفي الإشراك عنهم ما لا يفيده قولنا:"والذين لا يشركون بربهم"ولا قولنا:"والذين بربهم لا يشركون"، وكذا قوله تعالى: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [سورة يس: 7] ، وقوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ} [سورة القصص: 66] ، وقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [سورة الأنفال: 55] .
{لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) }
قوله تعالى في سورة النمل: {لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا} [سورة النمل: 68] , وقوله تعالى في سورة"المؤمنون": {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا} [سورة المؤمنون: 83] فإن ما قبل الأولى: {أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ} وما قبل الثانية: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} , فالجهة المنظور فيها هناك كونهم أنفسهم وآباؤهم ترابا، والجهة المنظور فيها هنا كونهم ترابا وعظاما، ولا شبهة أن الأول أدخل عندهم في تبعيد البعث.