ومن لطائف ونكات ابن الأثير:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) }
ومما ورد من هذا الأسلوب قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ... (14) }
ففي الآية المتقدم ذكرها قال: {مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} ، فعطف التقدير على الخلق بالفاء؛ لأنه تابع له، ولم يذكر تفاصيل حال المخلوق، وفي الآية ذكر تفاصيل حاله في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني - الذي هو خلق النسل - عطفه بثم، لما بينهما التراخي، وحيث صار إلى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرا، أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بـ ثم.
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) }
الوجه الثالث: أن يرد على غير هذين الوجهين، فلا يكون استفهاما، ولا نفيا وإثباتا، وذلك كقول أبي تمام 2:
يتجنب الآثام ثم يخافها فكأنما حسناته آثام
وهذا البيت تختلف نسخ ديوانه في إثباته، فمنها ما يجيء فيه:
يتجنب الأيام خيفة غيها فكأنما حسناته آثام
وليس بشيء؛ لأن المعنى لا يصحُّ به.
وكنت سئلت عن معناه، وقيل: كيف ينطبق عجز البيت على صدره، وإذا تجنبت الآثام وخافها، فكيف تكون حسناته آثاما؟ ففكرت فيه، وأنعمت نظري، فسنح لي في القرآن الكريم آية مثله، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} ، وفي صدر البيت إضمار فسر في عجزه، وتقديره أنه يتجنب الآثام، فيكون قد أتى بحسنة، ثم يخاف تلك الحسنة، فكأنما حسناته آثام، وهو على طباق الآية سواء.
ومن الإضمار على شريطة التفسير قال أبي النواس:
سُنة العشاق واحدة فإذا أحببت فاستكن