73 -قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ} كلام متصل بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} ؛ أي: يا أهل مكة ضرب مثل؛ أي: بين لكم حالة مستغربة أو قصة بديعة حقيقية، بأن تسمى مثلًا، وتسير في الأمصار والأعصار {فَاسْتَمِعُوا لَهُ} ؛ أي: لذلك المثل استماع تدبر، وتدبروه حق تدبر، فإن الاستمتاع بلا تدبر وتعقل لا ينفع. قال النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلًا، قال وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ أي: بين الله لكم شبهًا ولمعبودكم. وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول مسيرة في الناس، مستغربة عندهم. وجعلوا مضربها مثلًا لموردها، كـ (الصيف ضيعتَ اللبن) ، ثم قد يستعيرونها للقصة، أو الحالة، أو الصفة المستغربة، لكونها مماثلة لها في الغرابة، كهذه القصة المذكورة في هذه الآية.
فَإِنْ قُلْتَ: الذي جاء به، ليس بمثل، فكيف سماه مثلًا؟
قلت: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة، جاز أن يسمى كل كلام، كان كذلك مثلًا.
وقال في"الكشاف": قد سميت الصفة والقصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلًا، تشبيهًا لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مسيرةً عندهم مستحسنةً مستغربة.
والمعنى: جعل لي شبيها وشبه بي الأوثان؛ أي: جعل المشركون الأصنام أشباهي وشركائي يعبدونها ثم بين حالها وصفتها فقال {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ} ؛ أي: إن الأصنام التي تعبدونها {مِنْ دُونِ اللَّهِ} ؛ أي: متجاوزين عبادة الله، وهو بيان للمثل وتفسير له.