الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ} لِهَذَا , لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا، وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ يَعِدُهُمُ النَّصْرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَغَوْا عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ، وَقَاتَلُوهُمْ فَبَغَوْا عَلَيْهِمْ، وَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ , فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ} بِأَنْ بُدِئَ بِالْقِتَالِ وَهُوَ لَهُ كَارِهٌ، {لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ}
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو عَفْو , وَصَفْحٍ لِمَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمَهُ الظَّالِمُ بِحَقٍّ، غَفُورٌ لِمَا فَعَلَ بِبَادِئِهِ بِالظُّلْمِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ , غَيْرُ مُعَاقِبِهِ عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ... (61) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ} هَذَا النَّصْرُ الَّذِي أَنْصُرُهُ عَلَى مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَاغِي، لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى مَا أَشَاءُ. فَمِنْ قُدْرَتِهِ أَنَّ اللَّهَ {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ}