(فصل: في المواعظ والرقائق)
قال ابن الجوزي:
سُبْحَانَ الْمُتَفَرِّدِ بِالْقُدْرَةِ، فَلا تُقَدِّرُ الْخَلائِقُ قَدْرَهُ، أَنْعَمَ فَمَنْ يُطِيقُ شُكْرَهُ، كَلا إِنَّ الْغَافِلَ فِي سَكْرَةٍ {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
جَلَّ صِفَةً وَعَزَّ اسْمًا، وَبَسَطَ أَرْضًا وَرَفَعَ سما، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً، فَحَمَّى النَّبَاتَ فَسَمَّوْهُ جمرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ وَالأَلْبَابُ، وَيُسَبِّحُهُ الصَّحْوُ وَالضَّبَابُ، انْبَعَثَ الْغَيْمُ فَمَا تَوَقَّفَ السَّحَابُ، أَقْبَلَ الرَّعْدُ فِي صرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
تَأَخَّرَ الْغَيْثُ فَتَمَكَّنَ الضُّرُّ، ثُمَّ جَاءَ فَالْمُؤْمِنُ بِذَلِكَ سُرَّ، فَاسْتَغَاثَ النَّبَاتُ مِمَّا عُرَّ، فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ مَرَّ، كَمْ كَرَّ كرة بعد كرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
أَصْبَحَ الثَّرَى عَطْشَانُ يُنَادِي وَالْيُبْسُ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ بَادِي، فَصَاحَ الرَّعْدُ بِالسَّحَابِ صِيَاحَ الْحَادِي، فَتَرَوَّى الوادي وسالت الجرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
انْبَعَثَ السَّحَابُ فَطَبَّقَ الأَرْجَا، وَصَاحَ الْبَدَوِيُّ فِي الْبَدْوِ: النَّجَا، وَالْجُرُونُ مُتَلَفِّعَةٌ بِالْغُثَا، دَبَّ ثُمَّ نُعِشَ ثُمَّ قُطْقِطَ ثُمَّ أُفْرِطَ ثُمَّ جَاءَ بكرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
انْكَشَفَتْ سَمَاءُ الأَرْضِ عَنْ بُدُورِهَا، وَأَذِنَتِ الْغَائِبَاتُ النَّبَاتَ فِي حُضُورِهَا،
وَلَمْ تَخُنِ الأَرْضُ مِنْ بَذْرِ نَبَاتِهَا ذَرَّةً {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
أُحْضِرَتْ أُمَّهَاتُ الزَّرْعِ عَنْ بَنَاتِهَا، وَاجْتَمَعَتِ الأَغْصَانُ بِالْقَطْرِ بَعْدَ شَتَاتِهَا، وَتَزَيَّنَتْ لِلنَّاظِرِينَ بِأَنْوَاعِ نَبَاتِهَا، ولقد كانت عرة {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
فَشَتِ الزِّينَةُ فِي الصَّحَارِي وَالْبَرَى، وَأَظْهَرَتْ عَجَائِبَ الْقُدْرَةِ فِيمَا يُرَى، وَأَشَاعَ الثَّرَى كَمَا تَرَى من المكتوم سره {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .
مَاتَتْ تَحْتَ الأَرْضِ كُلُّ الْبُذُورِ، فَإِذَا الرَّعْدُ يَنْفُخُ فِي الصُّورِ، فَضَحِكَ النَّوْرُ بِالنُّورِ لَمَّا سره {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} .