(فصل: في الْعِصْمَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ)
قال القاضي عياض:
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكِفَايَتِهِ مِنْهُ، لَا فِي جِسْمِهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَلَا عَلَى خَاطِرِهِ بالوساوس.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ .. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ .. قَالَ: وَإِيَّايَ ..
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ».
زَادَ غَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورٍ «فلا يأمرني إلا بخير» ..
وعن عائشة بمعناه روي: «فَأَسْلَمُ» بِضَمِّ الْمِيمِ .. أَيْ فَأَسْلَمُ أَنَا مِنْهُ.
وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَرَجَّحَهَا.
وَرُوِيَ «فَأَسْلَمَ» يَعْنِي الْقَرِينَ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالِ كُفْرِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَصَارَ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ كَالْمَلَكِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ ..
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ «فَاسْتَسْلَمَ» ..
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ شَيْطَانِهِ وَقَرِينِهِ الْمُسَلَّطِ عَلَى بَنِي آدَمَ فَكَيْفَ بِمَنْ بَعُدَ مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْ صُحْبَتَهُ وَلَا أُقْدِرَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ!! ..
وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِتَصَدِّي الشَّيَاطِينِ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ رَغْبَةً فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ، وَإِمَاتَةِ نفسه، وإدخال شغل عليه، إذ يئسوا
مِنْ إِغْوَائِهِ فَانْقَلَبُوا خَاسِرِينَ .. كَتَعَرُّضِهِ لَهُ فِي الصلاة فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسَرَهُ.
فَفِي الصِّحَاحِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي» .. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «فِي صُورَةِ هِرٍّ .. فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ
وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً» .. الْآيَةَ .. فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا.