34 -قوله تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ} أي: جماعة مؤمنة. يعني من الذين سلفوا وتقدموا {جَعَلْنَا مَنْسَكًا} المنسك هاهنا: المصدر من نَسَك يَنْسُك، إذا ذبح القربان. وذكرنا معنى النسك في سورة البقرة. قال مجاهد في قوله {مَنْسَكًا} : يريد إهراقة الدماء.
وقال عكرمة، وقتادة، ومقاتل بن حيان: يعني ذبحًا.
وقراءة العامة بفتح السين، وقرأ حمزة والكسائي بكسرها.
قال أبو علي: الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا أو مكانًا، وكلاهما مفتوح العين إذا كان الفعل على: فَعَل يَفْعُل، نحو: قَتَل يَقْتُلُ مَقْتَلا، وهذا مَقْتَلُه. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المَفْعِل من هذا النحو، نحو: المَطْلِع من طَلَع يَطْلُع، والمسجد من سجد يسجد، فيمكن أن يكون هذا بما شذَّ عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعل الكسائي سمع ذلك. هذا كلامه.
والذي يدل على أن الكسائي سمع ذلك أنه قال في كتابه: (منسكًا) .
و"منسكا"لغتان، كل قد قرئ بها.
وقال عطاء عن ابن عباس: {مَنْسَكًا} يريد شريعة. يعني الذبح لأنه من جملة ما شرع.
وقال الكلبي: عيدًا.
يعني وقتًا للذبح. فعلى هذا المنسك، اسم لزمان الذبح.
قال أبو إسحاق: المنسك في هذا الموضع يدل على معنى النحر، فكأنه قال: لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله، ويدل على ذلك قوله {لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} المعنى: ليذكروا اسم الله على نحو ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
وخص بهيمة الأنعام، لأنَّ البهيمة من غير الأنعام لا يحل ذبحها وأكلها كالخيل والبغال والحمير، فالبهيمة من الأنعام هي التي يجوز أن تُذبح في المناسك.