قوله تعالى {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) }
(مناسبة الآية لما قبلها)
قال البقاعي:
ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف، أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصاً فقال: {هذان} أي الساجد والجاحد من جميع الفرق {خصمان} لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف.
ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحد، صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال: {اختصموا} أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد، ولما كانت الفرق المذكورة كلها مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة، قال: {في ربهم} أي الذي هم بإحسانه إليهم معترفون، لم يختصموا بسبب غيره أصلاً، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة بحضرة رسول الله - صلى الله عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني عمهم: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، في غزوة بدر - أولى الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر - رضي الله عنهم -"أنه كان يقسم أنها نزلت فيهم، ولذلك قال - رضي الله عنهم ـ: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن عز وجل يوم القيامة للخصومة"أخرجه البخاري في صحيحه، ولعله - رضي الله عنهم - أول الثلاثة، قام لمنابذتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان أشبّهم.